فوزي آل سيف

33

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

الأول: أنه نعم كان جاداً ورأى الفرصة مؤاتية له عندما تحدث معه ابن عوف، وكانت العادة تجري في مثل هذه الحالات أن تتم الاستجابة وينتهي الطلب بالزواج الفعلي، وربما يحق للقائلين بهذا أن يشيروا إلى أن ظاهر ذلك الطلب من المقداد هو الجدية وأن ابن عوف لأسباب لا نعلمها رده ورفض تزويجه، ولو لم يكن الأمر جدياً لما كان هناك حاجة للرفض، بل ولكي لا يعود مرة أخرى أو يحاول توسيط أحد فإنه جبهه وأغلظ له القول. الثاني: ألّا يكون المقداد جاداً وإنما أراد امتحان عبد الرحمن بن عوف، ليرى ويري الآخرين أن الحالة الإسلامية لم تلامس في بعض المسلمين غير القشر الخارجي من ممارسات شعائرية، وعبادات ظاهرية، وأما التغيير الحقيقي والتخلي عن الاستعلاء على الآخرين والافتخار بالنسب، والاعتقاد بأن انتماءه لهذه القبيلة أو تلك يجعله أفضل من غيره مهما كان، فكل هذا لم يتغير وإنما بقي هو القاعدة التي توجه السلوك. وهذا الاحتمال يعززه أصحابه بأن المقداد في سيرته وطريقة حياته واعتقاداته لم يكن لينسجم مع عبد الرحمن بن عوف في سيرته واعتقاداته، وهو ليس جديداً عليه بل عارف به ومتوقع لرده ورفضه، فلا يمكن أن يكون جادًّا في ذلك الطلب. ويؤيد هذا ما ورد في بعض المرويات من طريق الامامية من أن المقداد أخبر أنه يعلم بما سيجيب به عبد الرحمن ولكنه أراد كشفه لغيره. وفيما بقي اتجاه عبد الرحمن بن عوف فتوى رسمية لخط الخلفاء ومذهبًا لمدرستهم فصار موضوع تكافؤ النسب وأصله جاهلي قرشي، بل كان عندهم نظامًا اجتماعيًّا، ها هو الآن يتحول إلى ممارسة دينية ثم إلى فتوى شرعية ستظل تحكم مئات السنين، وسيتم طلاق مئات الزوجات من أزواجهن المؤمنين على أساسه[95]! بينما سيكون الخط الإسلامي الأصيل المتمثل في أهل البيت عليهم السلام يعمل بما قاله القرآن الكريم أولا من قانون (المُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ)[96] وأنه لا يرتفع أحدهم على الآخر إلا بمقدار تقواه وإيمانه، ثم ما قرره رسول الله صلى الله عليه وآله بشكل خاص من أن (المسلم كفو المسلمة) وأن النبي صلى الله عليه وآله إنما زوج المقداد من ضباعة وهي الهاشمية القرشية ابنة عم النبي (ليتضع النكاح)[97]. مواقف المقداد في وجه الخلافة الرسمية: في جماعة محدودة من المخلصين لعلي بن أبي طالب كان المقداد ممن شارك في الصلاة على الصديقة الطاهرة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما، وفي ذلك يقول العلامة المجلسي في بحاره: فلمّا كان في اللّيل دعا عليّ عليه السلام العبّاس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعمّاراً، فقدّم العبّاس فصلّى عليها ودفنوها. فلمّا أصبح الناس أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة عليها السلام. فقال المقداد: قد دفنّا فاطمة البارحة؛ فالتفت عمر إلى أبي بكر، فقال: ألم أقل لك إنّهم سيفعلون؟! قال العبّاس: إنّها أوصت أن لا تصلّيا عليها[98].

--> 95 ) كتبت صحيفة أنحاء الالكترونية https://an7a.com/2016/01/18/ في يناير 18, 2016:" سجلت محاكم المملكة في كافة المناطق 17 قضية فسخ عقد النكاح لعدم تكافؤ النسب في 1436، فيما سجلت 38 قضية في 1435" وقد أثيرت هذه القضية بشكل أكبر عندما تم الحكم بطلاق زوجين بدون علمهما وبدون رغبتهما في الفراق بناء على دعوى رفعها إخوة غير أشقاء للزوج بعد وفاة والدهم من أن زواج أخيهم الذي تم برضى الطرفين وأنجبا فيه طفلين، كان من امرأة لا تتكافأ قبيلتها مع قبيلتهم، فحكم القاضي الرسمي بطلاقهما من دون علمهما، ومع إصرار الزوجين على استمرار حياتهما الزوجية ورفضهما للانفصال رفعت القضية للمحكمة العليا التي ثبتت الزواج وأبطلت تطليق القاضي! 96 ) سورة التوبة، الآية 71 97 ) الأزدي، الفضل بن شاذان: الإيضاح ٣٨٤ قال صلى الله عليه وآله: أتعلمون لمَ زوجت ضباعة بنت عمي من المقداد؟ - قالوا: لا، قال صلى الله عليه وآله: ليتضع النكاح فيناله كل مسلم ولتعلموا (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).. 98 ) المجلسي؛ محمد باقر: بحار الأنوار 28 /305